الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

141

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قصد فرعون إرهابهم بهذا الوعيد لعلهم يرجعون عن الإيمان باللّه . ونظير أول هذه الآية تقدم في سورة الأعراف ، ونظير آخرها تقدم فيها وفي سورة طه . وهنالك ذكرنا عدد السحرة وكيف آمنوا . واللام في فَلَسَوْفَ لام القسم . [ 50 ، 51 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 50 إلى 51 ] قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ( 50 ) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ( 51 ) الضّير : مرادف الضرّ ، يقال : ضاره بتخفيف الراء يضيره ، ومعنى لا ضَيْرَ لا يضرنا وعيدك . ومعنى نفي ضره هنا : أنه ضر لحظة يحصل عقبه النعيم الدائم فهو بالنسبة لما تعقبه بمنزلة العدم . وهذه طريقة في النفي إذا قامت عليها قرينة . ومنها قولهم : هذا ليس بشيء ، أي ليس بموجود ، وإنما المقصود أن وجوده كالعدم . وجملة : إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ تعليل لنفي الضير ، وهي القرينة على المراد من النفي . والانقلاب : الرجوع ، وتقدم في سورة الأعراف . وجملة : إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا بيان للمقصود من جملة : إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ . والطمع : يطلق على الظن الضعيف ، وعرّف بطلب ما فيه عسر . ويطلق ويراد به الظن كما في قول إبراهيم وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [ الشعراء : 82 ] ، فهذا الإطلاق تأدّب مع اللّه لأنه يفعل ما يريد . وعلّلوا ذلك الطمع بأنهم كانوا أول المؤمنين باللّه بتصديق موسى عليه السلام ، وفي هذا دلالة على رسوخ إيمانهم باللّه ووعده . [ 52 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 52 ] وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 52 ) هذه قصة أخرى من أحوال موسى في دعوة فرعون ، فالواو لعطف القصة ولا تفيد قرب القصة من القصة ، فقد لبث موسى زمنا يطالب فرعون بإطلاق بني إسرائيل ليخرجوا من مصر ، وفرعون يماطل في ذلك حتى رأى الآيات التسع كما تقدم في سورة الأعراف . ونظير بعض هذه الآية تقدم في سورة طه . وزادت هذه بقوله : إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ، أي أعلم اللّه موسى أن فرعون سيتبعهم بجنده كما في آية سورة طه . والقصد من إعلامه بذلك تشجيعه . وقرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر أَسْرِ بهمزة وصل فعل أمر من ( سرى ) وبكسر نون